المقالات·عرضاني
مفهومعرضاني

من الشك إلى الرجحان: رحلة شخصية

من الشك إلى الرجحان: رحلة شخصية

0.9kdeep-divev2

الملخص

يروي هذا المقال الرحلة الشخصية لمحمد بن جماعة، مؤسس مشروع god-database.com، من الشك العميق إلى يقينٍ شخصيٍّ بناه على رجحانٍ عقليٍّ منهجي — رحلة امتدت نحو عشرين عامًا من البحث في أكثر من 1400 كتاب بثلاث لغات، وأفضت لاحقًا إلى بناء قاعدة بيانات أكاديمية ثلاثية اللغة حول مسألة وجود الله. وهو شهادة على منهج لا دعوة إلى نتيجة: يعرض كيف نشأ المشروع من تجربة ذاتية في طلب الحقيقة قبل أن يُفكَّر في نشره.

حكاية بحث عن الحقيقة

في السابعة من عمري، كنت أقف في مكتبة صغيرة بمدينتي، أحمل مجلة للأطفال اشتريتها بنصف مصروفي الأسبوعي. كان والدي — الرجل الأمي الذي لم يتعلم القراءة — قد وضع لي قاعدة بسيطة وحكيمة: نصف المصروف لما أشاء، والنصف الآخر للادخار أو للقراءة. اخترت القراءة دائمًا.

كنت الأول في مدرستي، ولفتُّ انتباه بعض المدرسين المتدينين الذين رأوا في نبوغي المبكر وشغفي بالقراءة فرصة. في الصف الرابع الابتدائي، استدعاني مدير المدرسة ذات يوم وأخبرني بأنني اخترت لتجربة نموذجية على مستوى المنطقة: سألقي أول خطبة جمعة في المستوى المدرسي. كتبت خطبتي، راجعها المدير وامتدحها دون تعديل، ووقفت أمام المصلين ألقيها. تلك كانت اللحظة الفارقة الأولى في علاقتي بالدين.

بين الرابعة عشرة والثامنة عشرة، التهمت كتب التاريخ الإسلامي بفضول شديد. لكن مع كل كتاب جديد، كانت الحيرة تزداد. اكتشفت الاختلافات الفقهية بين المذاهب، والجدل العقائدي بين السنة والشيعة، والخلافات بين المعتزلة والأشاعرة.

رغم كل هذا الجدل، كان هناك صوت هادئ بداخلي يرفض فكرة العبثية والصدفة المطلقة — كان صوت الفطرة. لكنه لم يكن كافيًا لمواجهة العقل الفلسفي الذي سأواجهه لاحقًا.

اللقاء الأول مع الإلحاد

ثم جاء اللقاء الأول مع الإلحاد. كان أستاذ اللغة العربية في الثانوية يصرح بإلحاده. الفضول دفعني للمزيد: قرأت لصادق جلال العظم، سلامة موسى، عبد الرحمن بدوي، طه حسين. راسلت كنائس في أوروبا وأمريكا، ومرجعيات دينية في إيران. اشتريت مئات الأشرطة السلفية.

وجدت نفسي أمام فسيفساء كاملة: ليس دينًا، بل أديان. ليس مذهبًا، بل مذاهب. ليس إيمانًا فقط، بل إيمان وإلحاد.

الهجرة والصدمة

في عام 1999، هاجرت إلى كندا، وأصبحت خطيب جمعة. لكن الهجرة جلبت معها صدمتين عميقتين:

الأولى: مقارنة واقعنا العربي والإسلامي بالواقع الغربي. لماذا النزاهة والعدالة والإتقان أكثر وضوحًا في المجتمعات الغربية العلمانية؟

الثانية: أحداث 11 سبتمبر 2001، ثم ظهور تنظيم القاعدة وانتشار خطاب التكفير والعنف باسم "الجهاد". هل يمكن لدين حقيقي أن يُنتج هذا؟

الشك الكبير: على المنبر وفي القلب

اللحظة الأصعب: ليلة جمعة في شتاء كندا القارس عام 2005. كنت أعدّ خطبة الجمعة في مكتبي المنزلي. أمامي كتب التفسير والحديث، وخلفي على الرف كتب دوكنز وهاريس. توقفت عن الكتابة فجأة، وسألت نفسي بصوت مسموع: "هل أنا فعلاً مؤمن؟"

في صباح الجمعة التالي، صعدت المنبر كالعادة. لكن هذه المرة، كان كل شيء مختلفًا. كنت أتلو الآيات، وفي قلبي سؤال: هل هذا فعلاً كلام الله؟ كنت أتحدث عن الجنة، وفي عقلي صدى لحجج دوكنز عن "الوهم".

لم أخبر أحدًا بهذا الشك. شعرت بوحدة قاتلة. في الظاهر، داعية مؤمن. في الباطن، باحث متشكك.

البحث عن منهج: من الغزالي إلى قواعد البيانات

التجأت لتجربة أبي حامد الغزالي في الشك. قرأت "المنقذ من الضلال"، ووجدت فيه نفسي. ثم قرأت ديكارت وشكه المنهجي. بدأت أبني يقيني من الصفر.

نظرًا لخبرتي المهنية كمحلل أعمال وخبير في تكنولوجيا المعلومات، قررت أن أطبق المنهج العلمي على البحث الديني. بنيت قاعدة بيانات منظمة باستخدام Microsoft Access، قسمت فيها الكتب حسب تاريخ النشر، المجال العلمي، تصنيف المؤلف، قوة الحجة، والمغالطات المنطقية.

توصلت إلى قاعدة بيانات تحتوي على حوالي 1400 كتاب بالإنجليزية والعربية والفرنسية: 600 في دائرة الإيمان، 500 في دائرة الإلحاد، و300 محايد أو أكاديمي.

نقطة التحول

التحليل الإحصائي كشف عن نمط مُدهش: أقوى حجج الإلحاد الحديث لم تتغير جوهريًا منذ ديفيد هيوم. ثم تراكمت ملاحظات رجّحت كفّة الميزان:

في نقاش عام مع رئيس أساقفة كانتربري، صنّف ريتشارد دوكنز نفسه عند الدرجة السادسة من سبع على سلّمه الخاص — أي إنه لا يدّعي اليقين بعدم وجود الله، بل يقرّ بأنه "لاأدري" من حيث المبدأ، لأنه لا يملك سبيلًا لإثبات العدم. لم يكن هذا الإقرار نقطة تحوّل في رحلتي، بل تأكيدًا لما كان تحليلي قد بلغه: أنّ أقوى خصوم الإيمان أنفسهم يتحركون في فضاء الاحتمال، لا في فضاء البرهان القاطع.

ثم اكتشفت كتاب أنتوني فلو "There Is a God" — أشهر ملحد في القرن العشرين تحوّل إلى الإيمان بالدليل العلمي في الثمانين من عمره. وكتاب فرانسيس كولينز "The Language of God" — مدير مشروع الجينوم البشري الذي قاده العلم نفسه إلى الإيمان.

أدركت أن الإلحاد ليس نهاية الرحلة العقلانية، بل محطة في الطريق.

من Access إلى god-database.com

قاعدة البيانات الصغيرة تلك هي أساس ما أصبح اليوم god-database.com — بنية تحتية بحثية أكاديمية ثلاثية اللغة تضم آلاف المؤلَّفات ومئات المؤلفين، مع تحليل منهجي للحجج والمسالك الفكرية.

لم أكتب هذا المشروع من برج عاجي أكاديمي، بل من قلب التجربة. عشت الشك، وعشت الرجحان. وقفت على المنبر أخطب في الناس والشك يملأ قلبي. وبحثت عن الحقيقة بموضوعية. ولم أنشر شيئًا طوال عشرين عامًا، لأنني كنت أبحث لنفسي قبل أن أفكر في غيري.

إن كنت في رحلة شك، فأنا أفهمك تمامًا. لا تخف من الأسئلة الصعبة. الشك المنهجي طريق إلى رجحانٍ عقلي راسخ، لا إلى الضياع.

أزعم أنني بلغتُ ما أعتبره يقينًا شخصيًا، لكنّ هذا ليس محاولةً لإقناع أيّ شخصٍ آخر بنتيجة. هي شهادة على منهج: أن تتبع الدليل بصدق، وأن تزن الاحتمالات لا أن تطلب البرهان القاطع حيث لا مكان له.

"يجب على المرء أن يتبع الدليل أينما قاد، حتى لو قاد إلى نتيجة غير مريحة." — أنتوني فلو