احتجاب الإله

لماذا اختفت المعجزات الكبرى الواضحة من زماننا؟

مبتدئM0-T6-Q24 دقائق قراءة

لماذا اختفت المعجزات الكبرى الواضحة من زماننا؟

هذا السؤال من أكثر الأسئلة إلحاحاً على الذهن المعاصر. نقرأ في الكتب المقدّسة عن معجزات عظيمة: شقّ البحر، إحياء الموتى، معجزات شفائية فورية أمام الجموع. ثمّ ننظر حولنا اليوم فلا نرى شيئاً من ذلك. هل تغيّر شيء في طبيعة الكون؟ هل توقّف الإله عن التدخّل؟ أم أنّ تلك القصص لم تحدث أصلاً؟ السؤال يستحقّ معالجة دقيقة، لأنّ كثيراً من الإيمان والشكّ المعاصرَين يدور حوله.

ردود غير كافية ينبغي تجنّبها

من جهة بعض المؤمنين:

"المعجزات موجودة لمن يؤمن." هذا الردّ يتجاهل طبيعة السؤال. المعجزات الكبرى في النصوص المقدّسة كانت علنية، أمام المؤمنين والكافرين على السواء. فرعون رأى العصا تتحوّل ثعباناً، وقريش رأت انشقاق القمر (بحسب الرواية الإسلامية). السؤال عن غياب هذا النوع من المعجزات العلنية الواضحة.

"نحن لا نستحقّ المعجزات لضعف إيماننا." تفسير دائري. إذا كانت المعجزات تأتي لتقوية الإيمان (كما حدث مع الأنبياء)، فزماننا — بكثرة الإلحاد والشكّ — أحوج إليها من أيّ زمان. لماذا كانت تُعطى لأقوام كانوا أصلاً مؤمنين بالآلهة (ولو كانت وثنية) ولا تُعطى لزمان الإلحاد المنهجي؟

"المعجزات الصغيرة تحدث كلّ يوم." خلط بين المستويات. نعم، كثير من المؤمنين يروون تجارب شخصية يعتبرونها "معجزات صغيرة". لكنّ السؤال ليس عن هذا. السؤال عن المعجزات الكبرى العلنية التي لا يمكن إنكارها أو تفسيرها بطرق أخرى.

ومن جهة بعض الملحدين:

"المعجزات لم تحدث أبداً، لذا لا تحدث الآن." مصادرة على المطلوب. السؤال يفترض جدلاً أنّ المعجزات حدثت في الماضي، ويسأل عن سبب توقّفها. الجواب بأنّها "لم تحدث" لا يعالج السؤال المطروح، بل يتجنّبه.

"العلم فسّر كلّ شيء، فلم تعد هناك حاجة للمعجزات." خلط للمستويات. المعجزات في التصوّر الديني ليست لسدّ ثغرات المعرفة، بل لأغراض أخرى (تصديق الأنبياء، هداية الناس، إلخ). تقدّم العلم لا يفسّر لماذا توقّفت.

"الناس قديماً كانوا سذّجاً فصدّقوا أيّ شيء." تعميم غير تاريخي. الناس في كلّ العصور كانوا يميّزون بين الطبيعي وغير الطبيعي. لو لم يكونوا يعرفون أنّ الموتى لا يقومون عادة، لما اعتبروا إحياء الموتى معجزة. الدهشة من المعجزة تفترض معرفة بالقوانين الطبيعية.

لماذا هذه الردود غير كافية

لأنّها لا تأخذ السؤال بجدّية. السؤال يطرح مشكلة حقيقية: إذا كان الإله تدخّل بمعجزات واضحة في الماضي لأهداف معيّنة (الهداية، التصديق، إلخ)، فلماذا توقّف هذا التدخّل في زمن قد يكون أحوج إليه؟ الأجوبة السطحية تتهرّب من صعوبة السؤال.

مواقف جادّة في النقاش

أوّلاً، موقف "ختم النبوّة والتحوّل الإبستمولوجي". في التصوّر الإسلامي والمسيحي المتأخّر، ختم النبوّة يعني انتهاء الحاجة إلى المعجزات الكبرى. المعجزات كانت "أوراق اعتماد" للأنبياء. مع اكتمال الرسالات وحفظ النصوص، انتقل التحدّي من "أثبت أنّك نبيّ" إلى "تدبّر الرسالة المحفوظة". هذا تحوّل إبستمولوجي: من الاعتماد على المعجزة المباشرة إلى الاعتماد على البرهان التراكمي والتجربة الروحية الداخلية.

ثانياً، موقف "تغيّر السياق الحضاري". بعض الفلاسفة يرون أنّ المعجزات تناسب سياقات حضارية معيّنة. في عصور ما قبل العلم المنهجي، كانت المعجزة وسيلة الإقناع الأقوى. اليوم، مع تطوّر العقل النقدي والمنهج العلمي، قد تكون الحجج العقلية والبراهين التراكمية أكثر ملاءمة. الإله — في هذا التصوّر — يخاطب كلّ عصر بما يناسبه.

ثالثاً, موقف "الحكمة في الاحتجاب". هذا الموقف يربط غياب المعجزات بحكمة إلهية أعمق: الإيمان الناتج عن معجزة ساحقة ليس إيماناً حرّاً بالمعنى الكامل. غياب المعجزات الواضحة يترك مساحة للاختيار الحرّ، للبحث الصادق، للإيمان النابع من القناعة لا من الإكراه البصري. هذا يتّسق مع فكرة أنّ الإله يريد عباداً أحراراً، لا مُكرَهين بالبرهان الحسّي.

رابعاً، موقف "استمرار المعجزات بأشكال مختلفة". بعض المفكّرين المعاصرين (مثل كرايغ كينر) يوثّقون ما يعتبرونه معجزات معاصرة، خاصّة في سياقات معيّنة (الشفاءات غير المفسّرة طبّياً، التجارب الروحية الجماعية، إلخ). هذا الموقف يقول: المعجزات لم تختفِ، لكنّها تحوّلت في طبيعتها وتوزيعها الجغرافي والثقافي.

خامساً، الموقف النقدي التاريخي. هذا الموقف يحاول فهم روايات المعجزات في سياقاتها التاريخية واللغوية. ربّما بعض ما نقرؤه "معجزات" كان استعارات أدبية، أو أحداثاً طبيعية نادرة فُسّرت دينياً، أو تضخّمت مع الزمن. هذا لا ينفي كلّ المعجزات، لكنّه يدعو لقراءة أكثر دقّة للنصوص.

أين نحن من هذا النقاش اليوم

السؤال عن غياب المعجزات المعاصرة يبقى تحدّياً حقيقياً للفكر الديني. الإجابات المختلفة — من ختم النبوّة إلى الحكمة في الاحتجاب — تقدّم تفسيرات معقولة لكنّها لا تزيل الصعوبة بالكامل. في المنهج التراكمي، هذا السؤال يوضع في سياق أوسع: هل غياب المعجزات الواضحة يُبطل الأدلّة الأخرى (الكونية، الفطرية، التاريخية، إلخ)؟ الجواب يختلف بحسب وزن كلّ دليل في التقييم الشخصي.

المهمّ هو الاعتراف بأنّ السؤال مشروع وصعب. المؤمن الذي يتجاهله يضعف موقفه، والملحد الذي يراه حاسماً قد يبالغ في تقدير قوّته. الحوار الجادّ يبدأ بالاعتراف بأنّ غياب المعجزات الواضحة يطرح سؤالاً، لكنّه ليس بالضرورة جواباً نهائياً.

للقراءة المتقدّمة

─ مستوى متوسط: مفهوم "دلالات النبوّة" عند ابن تيمية وتحوّلها التاريخي
─ مستوى متقدّم: كتاب كرايغ كينر "Miracles" ومنهجه في توثيق المعجزات المعاصرة
─ صفحة عائلة "Divine Hiddenness" في الموقع
─ صفحة "The Problem of Divine Hiddenness" في موسوعة ستانفورد للفلسفة

#miracles#hiddenness