المعرفة الأخلاقية

ما "اعتراض البنّاء التطوّري" (evolutionary debunking argument) عند شارون ستريت، وكيف يطعن في الواقعية الأخلاقية؟

متوسطM3-T5-Q24 دقائق قراءة

شارون ستريت، فيلسوفة الأخلاق في جامعة نيويورك، صاغت في مقالها الأشهر "A Darwinian Dilemma for Realist Theories of Value" (2006) واحداً من أقوى التحدّيات المعاصرة للواقعية الأخلاقية. حجّتها — المعروفة بـ"اعتراض البنّاء التطوّري" — تستعمل نظرية التطوّر لتقويض فكرة أنّ هناك حقائق أخلاقية موضوعية مستقلّة عن البشر. الحجّة ذكيّة ومؤثّرة، وردود الواقعيّين عليها تكشف عمق النقاش المعاصر حول أسس الأخلاق.

ردود غير كافية ينبغي تجنّبها

من جهة بعض المدافعين عن الواقعية الأخلاقية:

"ستريت مجرّد نسبوية تريد هدم الأخلاق." تشويه للموقف. ستريت ليست نسبوية أخلاقية ساذجة، بل فيلسوفة أكاديمية جادّة تطرح تحدّياً معرفياً دقيقاً. حجّتها لا تنكر وجود معايير أخلاقية، بل تتساءل عن طبيعتها وأصلها المعرفي.

"التطوّر لا علاقة له بالأخلاق الفلسفية." خطأ منهجي. إذا كانت قدراتنا المعرفية — بما فيها الحدوس الأخلاقية — نتاج التطوّر، فللتطوّر تأثير مباشر على نظرية المعرفة الأخلاقية. تجاهل هذا التأثير تهرّب من السؤال.

ومن جهة بعض المعارضين للواقعية:

"ستريت أثبتت أنّ الأخلاق وهم تطوّري." مبالغة. حجّة ستريت تطعن في الواقعية الأخلاقية، لكنّها لا تثبت أنّ الأخلاق "وهم". هي تطرح أنّ الواقعية الأخلاقية تواجه معضلة معرفية خطيرة، لكنّ هناك بدائل فلسفية أخرى (البنائية، التعبيرية، إلخ).

"التطوّر يفسّر كلّ شيء أخلاقي." اختزال مفرط. حتى ستريت نفسها لا تدّعي أنّ التطوّر يفسّر محتوى أحكامنا الأخلاقية بالتفصيل، بل يفسّر ميولنا الأخلاقية العامّة. الانتقال من "التطوّر شكّل حدوسنا" إلى "التطوّر يحدّد كلّ حكم أخلاقي" قفزة غير مبرَّرة.

لماذا هذه الردود غير كافية

تفشل في فهم البنية الدقيقة لحجّة ستريت. الحجّة ليست هجوماً عدمياً على الأخلاق، ولا دفاعاً ساذجاً عن النسبية، بل تحدٍّ معرفي محدّد للواقعية الأخلاقية يحتاج إلى تحليل دقيق.

بنية حجّة ستريت

الحجّة تبدأ من ملاحظة علمية: التطوّر بالانتقاء الطبيعي شكّل ميولنا التقييمية (evaluative attitudes). نحن نميل إلى:
- رعاية أطفالنا
- مساعدة أقربائنا
- التعاون مع من يتعاون معنا
- معاقبة الخائنين
- تفضيل العدل في التوزيع

هذه الميول لها تفسير تطوّري واضح: الكائنات التي طوّرت هذه الميول كانت أنجح في البقاء والتكاثر.

الآن تطرح ستريت المعضلة للواقعي الأخلاقي:

الخيار الأول: نفي التأثير
يمكن للواقعي أن يدّعي أنّ التطوّر لم يؤثّر على محتوى حدوسنا الأخلاقية. لكن هذا غير معقول علمياً. الأدلّة من علم النفس التطوّري والأنثروبولوجيا قوية: ميولنا الأخلاقية تحمل بصمات واضحة للضغوط التطوّرية.

الخيار الثاني: قبول التأثير
إذا قبل الواقعي أنّ التطوّر أثّر على حدوسنا، يواجه مشكلة أعمق. التطوّر "يهتمّ" بالبقاء والتكاثر، لا بالحقيقة الأخلاقية. لا يوجد سبب للاعتقاد أنّ الضغوط التطوّرية وجّهتنا نحو الحقائق الأخلاقية المستقلّة.

تشبيه ستريت: تخيّل أنّك تبحر في المحيط وعندك بوصلة. تكتشف أنّ قوّة خارجية (التطوّر) دفعتك في اتجاهات عشوائية بالنسبة لوجهتك المقصودة (الحقيقة الأخلاقية). ما احتمال أن تصل إلى الجزيرة الصحيحة؟ ضئيل جداً.

الاستنتاج المدمّر
إذا كانت حدوسنا الأخلاقية نتاج قوى تطوّرية لا علاقة لها بالحقيقة الأخلاقية، فنحن في موقف شكّي خطير. حتى لو كانت هناك حقائق أخلاقية مستقلّة، ليس لدينا طريق معرفي موثوق إليها. الواقعية الأخلاقية تصبح موقفاً لا يمكن تبريره معرفياً.

ردود الواقعيّين

الردّ الأول: "الصدفة المحظوظة" (ديفيد إينوك)
ديفيد إينوك في "Taking Morality Seriously" (2011) يقبل التحدّي لكن يطرح أنّه ربما — بمحض الصدفة — وجّهنا التطوّر نحو بعض الحقائق الأخلاقية. البقاء يتطلّب أحياناً معرفة حقائق أخلاقية (مثلاً: التعاون الحقيقي أفضل من التظاهر بالتعاون).

مشكلة هذا الردّ: يعتمد على صدفة كونية غير محتملة. لماذا يجب أن تتطابق متطلّبات البقاء مع الحقائق الأخلاقية المستقلّة؟

الردّ الثاني: "التفسير بالطرف الثالث" (ديريك بارفت)
بارفت يطرح أنّ كلاً من التطوّر والحقائق الأخلاقية قد يكونان مرتبطين بعامل ثالث. مثلاً: كلاهما يعكس بنية عقلانية أعمق في الكون. هذا يفسّر التطابق دون افتراض صدفة.

مشكلة هذا الردّ: يدخل افتراضات ميتافيزيقية ثقيلة (بنية عقلانية كونية) لحلّ مشكلة معرفية.

الردّ الثالث: "الواقعية المتواضعة" (رالف ويدجوود)
ويدجوود يطرح أنّ التطوّر وجّهنا نحو قدرات عقلانية عامّة، وهذه القدرات تمكّننا من اكتشاف الحقائق الأخلاقية. التطوّر لم يحدّد محتوى أحكامنا مباشرةً، بل أعطانا أدوات للتفكير الأخلاقي.

ستريت تردّ: حتى قدراتنا العقلانية نفسها شكّلها التطوّر لأغراض البقاء، لا لاكتشاف حقائق أخلاقية مجرّدة.

البدائل غير الواقعية

ستريت نفسها تتبنّى "البنائية الهيومية" (Humean Constructivism): الحقائق الأخلاقية ليست مستقلّة عنّا، بل مبنيّة من اتجاهاتنا التقييمية. هذا يحلّ المشكلة المعرفية لأنّه لا يفترض حقائق أخلاقية "هناك" يجب اكتشافها.

آخرون يتبنّون التعبيرية (Expressivism): الأحكام الأخلاقية لا تصف حقائق بل تعبّر عن مواقف. هذا أيضاً يتجنّب المشكلة المعرفية.

التوظيف في النقاش حول الدين

بعض فلاسفة الدين (مثل ألفن بلانتنجا) يستعملون نسخة معدّلة من حجّة ستريت ضدّ الطبيعانية نفسها: إذا كانت كلّ قدراتنا المعرفية نتاج تطوّر أعمى، فلماذا نثق بها في أيّ مجال، بما فيه العلم؟ التوحيد — بافتراض خالق عاقل وجّه التطوّر — يحلّ هذه المشكلة.

المعارضون يردّون: هذا يفترض أنّ الله وجّه التطوّر نحو الحقيقة، وهو افتراض إضافي يحتاج تبريراً.

أين نحن من النقاش اليوم

حجّة ستريت تبقى من أقوى التحدّيات للواقعية الأخلاقية. ردود الواقعيّين متنوّعة لكن لا يوجد إجماع على نجاح أيّ منها. كثير من الفلاسفة يرون أنّ الحجّة تدفع نحو إعادة التفكير في طبيعة الأخلاق نفسها.

في سياق مشروعنا (الرجحان العقلي)، الحجّة تُظهر أنّ كلّ الأطراف — طبيعانية أو توحيدية — تواجه تحدّيات معرفية. الخيار ليس بين موقف "مثبت" وآخر "مشكوك"، بل بين مواقف مختلفة كلّها تدفع أثماناً فلسفية. الحكمة في تقييم هذه الأثمان بإنصاف.

للقراءة المتقدّمة

- مستوى متقدّم: الردود البنائية على اعتراض البنّاء التطوّري
- مستوى متقدّم: استعمال بلانتنجا المعكوس للحجة ضد الطبيعانية
- Sharon Street, "A Darwinian Dilemma for Realist Theories of Value" (Philosophical Studies, 2006)
- David Enoch, Taking Morality Seriously (Oxford UP, 2011)
- Richard Joyce, The Evolution of Morality (MIT Press, 2006)
- Michael Ruse & Robert J. Richards, eds., The Cambridge Handbook of Evolutionary Ethics (2017)
- صفحة "Formulation: Evolutionary Debunking Arguments" في الموقع

#street-evolutionary-debunking
ما "اعتراض البنّاء التطوّري" (evolutionary debunking argumen — أسئلة وأجوبة | قاعدة بيانات وجود الله