الإلحاد كاكتساب
هل ينجح بلانتينجا في إثبات أنّ "عدم الإيمان البديهي" أساسياً (basic) بنفس قدر الإيمان البديهي، أم يكون عبء الإثبات منحازاً منهجياً لصالح الإيمان؟
هذا السؤال يمسّ قلب مشروع بلانتينجا في الإبستمولوجيا الإصلاحية (Reformed Epistemology). منذ "God and Other Minds" (1967) إلى "Warranted Christian Belief" (2000)، طوّر بلانتينجا نظرية متطوّرة عن المعتقدات الأساسية (basic beliefs) وتطبيقها على الإيمان بالله. السؤال المركزي: هل يمكن للإلحاد أن يدّعي نفس المكانة الإبستمولوجية؟
ردود غير كافية ينبغي تجنّبها
من جهة بعض الموحّدين: "بلانتينجا أثبت أنّ الإيمان أساسي والإلحاد ليس كذلك" تبسيط مخلّ. بلانتينجا نفسه أكثر حذراً. "الفطرة تدعم الإيمان لا الإلحاد" خلط بين sensus divinitatis وبين الفطرة بمعناها الإسلامي التقليدي.
من جهة بعض الملحدين: "إذا كان الإيمان أساسياً فالإلحاد أيضاً، تناظر كامل" قفزة متسرّعة. "بلانتينجا متحيّز دينياً" تجريح شخصي لا يعالج الحجة الفلسفية.
بنية حجة بلانتينجا للمعتقدات الأساسية
الأولى: تمييز الأساسي/غير الأساسي. المعتقدات الأساسية properly basic: (1) لا تُستنتج من معتقدات أخرى، (2) مبرَّرة/مسوَّغة (warranted) مباشرة، (3) تنتج من ملكات معرفية تعمل بصورة سليمة في بيئة مناسبة.
الثانية: نموذج A/C (Aquinas/Calvin). الإيمان بالله ينتج من sensus divinitatis — ملكة معرفية طبيعية تنتج الإيمان في ظروف معيّنة (رؤية الجمال، الشعور بالذنب، التأمّل في الكون). هذه الملكة، إن وُجدت، تجعل الإيمان أساسياً مثل الإيمان بالعالم الخارجي أو بالماضي.
الثالثة: الدفاع عن العقلانية. لا يدّعي بلانتينجا "إثبات" وجود الله، بل أنّ المؤمن عقلاني (rational) في إيمانه حتى بدون حجج. الإيمان يمكن أن يكون properly basic إذا كان نموذج A/C صحيحاً.
محاولات تطبيق النموذج على الإلحاد
المحاولة الأولى: "sensus a-divinitatis". هل يمكن افتراض ملكة معرفية طبيعية تنتج عدم الإيمان؟ المشكلة: المعتقدات السلبية (عدم وجود X) نادراً ما تكون أساسية. نحن لا نملك "ملكة" لإنتاج معتقدات مثل "لا توجد يونيكورنات" بصورة مباشرة.
المحاولة الثانية: "الإلحاد كغياب طبيعي". ربما الحالة الطبيعية هي عدم الإيمان، والإيمان هو الإضافة. لكن هذا يخلط بين "عدم الإيمان" (absence of belief) و"الإيمان بالعدم" (belief in absence). بلانتينجا يتحدّث عن الثاني، لا الأول.
المحاولة الثالثة: "التناظر الوظيفي". إذا كان الإيمان ينتج من ملكات تعمل بصورة سليمة، فربما الإلحاد أيضاً. لكن ما هي الملكة التي تنتج الإلحاد مباشرة؟ الملكات العقلانية النقدية تنتج الشكّ، لا معتقداً إيجابياً بعدم الوجود.
نقد فلسفي للتناظر المزعوم
الأولى: عدم التماثل البنيوي. المعتقدات الوجودية الإيجابية (X موجود) أسهل في كونها أساسية من المعتقدات الوجودية السلبية (X غير موجود). رؤية شجرة تنتج مباشرة "الشجرة موجودة"، لكن لا توجد خبرة مماثلة تنتج مباشرة "الله غير موجود".
الثانية: مشكلة المحتوى المعرفي. الإلحاد الفلسفي ليس مجرّد غياب إيمان، بل ادّعاء ميتافيزيقي محدّد. هذا الادّعاء يحتاج إلى تبرير استدلالي، لا يمكن أن ينشأ "بديهياً".
الثالثة: التحليل الوظيفي. حتى لو افترضنا ملكة تنتج الإلحاد، يجب أن نسأل: ما وظيفتها التطوّرية/التصميمية؟ sensus divinitatis له وظيفة واضحة في نموذج بلانتينجا (ربط المخلوق بالخالق). ما وظيفة "ملكة الإلحاد"؟
الردود المضادّة القوية
ردّ ستيفن ماتيزن. حتى لو قبلنا عدم التماثل، هذا لا يعني انحياز عبء الإثبات. الموقف الافتراضي (default) يجب أن يكون تعليق الحكم، لا الإيمان.
ردّ بول درايبر. التمييز بين properly basic وproperly basicality. حتى لو كان الإيمان properly basic للبعض، هذا لا يجعله كذلك للجميع. الإلحاد قد يكون properly basic لمن تعطّلت عنده sensus divinitatis.
ردّ جون شلنبرغ. مشكلة الاحتجاب الإلهي تقوّض ادّعاء بلانتينجا. إذا كان sensus divinitatis موجوداً وفعّالاً، فلماذا يوجد ملحدون صادقون؟ ربما "عدم الإحساس بالإله" هو الحالة الأساسية لكثيرين.
تطوّرات معاصرة (2015-2026)
التيار العصبي-المعرفي. دراسات في علم الأعصاب المعرفي تبحث عن أسس عصبية للإيمان/الإلحاد. النتائج متضاربة: بعضها يدعم وجود "ميل طبيعي" نحو الإيمان، بعضها يشير إلى تنوّع طبيعي في الاستعدادات المعرفية.
التيار التعدّدي. بدل السؤال عن أيّهما أساسي، ربما كلاهما يمكن أن يكون أساسياً في سياقات مختلفة. هذا يتطلّب مراجعة مفهوم properly basic نفسه.
التيار النقدي. يسائل مشروع بلانتينجا من الأساس: هل تمييز أساسي/غير أساسي مفيد حقّاً؟ ربما كلّ المعتقدات تحتاج إلى دعم متبادل (coherentism) بدل التأسيسية (foundationalism).
من زاوية الرجحان العقلي
النقاش حول الأساسية properly basicality مثير فلسفياً، لكنه قد لا يكون حاسماً عملياً. حتى لو كان الإيمان properly basic للبعض، هذا لا يعفي من النظر في الأدلة المتراكمة. وحتى لو لم يكن الإلحاد properly basic، هذا لا يعني أنه غير مبرَّر.
الرجحان العقلي يقترح تجاوز ثنائية أساسي/غير أساسي نحو تقييم شامل للأدلة المتعدّدة. الإيمان قد ينشأ بديهياً عند البعض، لكن يحتاج إلى فحص عقلي. الإلحاد قد ينشأ استدلالياً، لكن قد يصير "شبه بديهي" بعد الاعتياد.
الخلاصة الفلسفية
بلانتينجا ينجح في إثبات إمكانية كون الإيمان properly basic، لكن لا ينجح في إثبات استحالة ذلك للإلحاد قطعياً. مع ذلك، الحجج تشير إلى عدم تماثل حقيقي: الإيمان بوجود الله أقرب لأن يكون أساسياً من الإيمان بعدم وجوده.
عبء الإثبات؟ ليس "منحازاً" بالمعنى التحكّمي، لكن هناك اختلاف بنيوي بين ادّعاء الوجود وادّعاء العدم يؤثّر على توزيع الأعباء الإبستمولوجية. هذا لا يحسم النقاش، لكن يؤطّره.
أين نحن من هذا النقاش اليوم
بين 2020 و2026 تحرّك النقاش في ثلاثة اتّجاهات بارزة. أوّلاً، تزايد الاهتمام بما يُسمّى "الإبستمولوجيا الإصلاحية الثالثة" (third-wave Reformed Epistemology) التي يمثّلها باحثون مثل أندرو مون (Andrew Moon) وبلايك ماكبرايد (Blake McBride)، حيث أُعيد تأطير مفهوم الأساسية المناسبة (proper basicality) ضمن نماذج بايزية تسمح بتقدير احتمالي لقوّة المعتقد الأساسي بدل ثنائية "أساسي أو غير أساسي". هذا التطوّر أضعف التناظر المزعوم بين الإيمان والإلحاد، إذ صار السؤال عن درجة التسويغ لا عن وجوده أو غيابه.
ثانياً، تعمّقت أبحاث علم النفس المعرفي للدين (CSR) حول "الميل الطبيعي نحو التفكير الغائي" (teleological bias)، خاصّة أعمال ديبورا كيلمان (Deborah Kelemen) وجوناثان يونغ (Jonathan Jong) المنشورة بين 2021 و2024. هذه الدراسات تُعطي دعماً تجريبياً جزئياً لفكرة sensus divinitatis دون أن تحسم مسألة صدقها الميتافيزيقي، لأنّ وجود ميل معرفي لا يثبت صحّة مخرجاته.
ثالثاً، واصل شلنبرغ تطوير حجّة الاحتجاب الإلهي في أعماله الأخيرة (2021-2023)، مؤكّداً أنّ وجود ملحدين "مقاومين غير عنيدين" (nonresistant nonbelievers) يمثّل تحدّياً بنيوياً لنموذج بلانتينجا: إذا كانت الملكة موجودة وتعمل سليماً، فلماذا تفشل عند ملايين الباحثين الصادقين؟ الردود من معسكر بلانتينجا — خاصّة ماكس بيكر-هينشل (Max Baker-Hytch, 2023) — تركّزت على أنّ تعطّل الملكة بفعل الخطيئة أو البيئة المعرفية لا يعني عدم وجودها، لكن هذا الردّ يظلّ مشروطاً بقبول الإطار اللاهوتي المسبق.
الحصيلة: لا إجماع فلسفي، لكنّ النقاش انتقل من مستوى "هل الإيمان أساسي؟" إلى مستوى "بأيّ درجة وبأيّ شروط؟"، وهذا تقدّم منهجي حقيقي.
للقراءة
- Alvin Plantinga, Warranted Christian Belief (Oxford UP, 2000)
- Michael Bergmann, "Defeaters and Higher-Level Requirements" (2005)
- Stephen Maitzen, "Does God Destroy Our Duty to Help?" (2009)
- Tyler Wunder, "Alvin Plantinga on Properly Basic Belief in God" (IEP)
- Kelly James Clark & Raymond VanArragon, Evidence and Religious Belief (2011)
- صفحة "Formulation: Reformed Epistemology" في الموقع