مفهوم النبوّة
ما تعريف النبوّة عند ابن سينا والفارابي، وكيف يربطون بين العقل الفعّال والوحي؟
تعدّ نظرية النبوّة عند الفارابي (870-950م) وابن سينا (980-1037م) من أعمق المحاولات الفلسفية لفهم ظاهرة الوحي عقلياً. كلاهما طوّر نظرية معقّدة تربط النبوّة بنظرية العقول السماوية والعقل الفعّال، محاولاً التوفيق بين الفلسفة الأرسطية والأفلاطونية المحدثة من جهة، والعقيدة الإسلامية من جهة أخرى.
ردود غير كافية ينبغي تجنّبها
من جهة بعض المتكلّمين: "الفارابي وابن سينا ينكرون الوحي الحقيقي" اتّهام مبسّط. كلاهما مؤمن بحقيقة النبوّة، لكن يفسّرها فلسفياً.
من جهة بعض المستشرقين: "نظريتهما مجرّد أرسطية يونانية بلباس إسلامي" تجاهل للإبداع الفلسفي الإسلامي.
نظرية النبوّة عند الفارابي
الفارابي في "آراء أهل المدينة الفاضلة" و"السياسة المدنية" يقدّم نظرية متكاملة:
البنية الكونية: عشرة عقول مفارقة تصدر عن الواحد الأوّل. العقل العاشر هو "العقل الفعّال" المسؤول عن عالمنا.
القوى النفسية للنبي:
- القوّة النظرية: في أعلى درجات الكمال
- القوّة العملية: في أعلى درجات الحكمة
- القوّة المتخيّلة: في أعلى درجات القوّة والصفاء
آلية الوحي: النبي يتّصل بالعقل الفعّال بقوّته النظرية المكتملة. يتلقّى المعقولات الكلّية مباشرة دون تعلّم. قوّته المتخيّلة القويّة تحوّل هذه المعقولات إلى صور محسوسة ورموز (قصص، أمثال، شرائع).
خصائص النبي الفارابية:
- فيلسوف بالفطرة (يدرك الحقائق دون تعلّم)
- مشرّع حكيم (يضع القوانين المناسبة للمجتمع)
- خطيب بليغ (يخاطب العامّة بما يفهمون)
- قائد سياسي (يحقّق السعادة للمدينة)
نظرية النبوّة عند ابن سينا
ابن سينا في "الشفاء" و"النجاة" و"الإشارات والتنبيهات" يطوّر نظرية الفارابي:
القوى الثلاث للنبي:
1. القوّة النظرية القدسية: أعلى درجات العقل النظري. النبي يتّصل بالعقل الفعّال "دفعة واحدة" بـ"الحدس القدسي". لا يحتاج إلى التعلّم التدريجي.
2. القوّة المتخيّلة الفائقة: تتلقّى من العقل الفعّال الصور الجزئية. تحوّل المعاني المجرّدة إلى رموز محسوسة. ترى الغيبيات في اليقظة كما يراها غيره في النوم.
3. القوّة النفسية المؤثّرة: قدرة على التأثير في العالم المادّي (المعجزات). نفس النبي قويّة تؤثّر في الهيولى.
العقل الفعّال كواسطة:
عند كليهما، العقل الفعّال هو:
- واهب الصور للمادّة
- واهب المعقولات للعقول البشرية
- الواسطة بين الله والعالم السفلي
- مصدر الوحي والإلهام
الفروق بين الفارابي وابن سينا
التأكيد على الحدس: ابن سينا يؤكّد أكثر على "الحدس القدسي" كخاصّية مميّزة للنبي.
القوّة المؤثّرة: ابن سينا يضيف القدرة على المعجزات بصورة أوضح.
الجانب الصوفي: ابن سينا أكثر انفتاحاً على البُعد الصوفي للنبوّة.
النقد الأشعري والردود
الغزالي في "تهافت الفلاسفة" ينقد هذه النظرية:
- الوحي ليس مجرّد اتّصال طبيعي بالعقل الفعّال
- جبريل ملَك حقيقي، ليس رمزاً للعقل الفعّال
- النبوّة اصطفاء إلهي، ليست كمالاً طبيعياً
ابن رشد في "تهافت التهافت" يدافع جزئياً:
- التفسير الفلسفي لا ينفي الحقيقة الدينية
- يمكن الجمع بين الفهمين
التأثير على الفلسفة اللاحقة
في الفلسفة الإسلامية: السهروردي وملاّ صدرا طوّروا النظرية. ابن طفيل في "حيّ بن يقظان" استكشف الاتّصال بالعقل الفعّال.
في الفلسفة اليهودية: موسى بن ميمون تأثّر بعمق بابن سينا. نظريته في "دلالة الحائرين" تشبه النظرية السينوية.
في الفلسفة المسيحية: ألبرت الكبير وتوما الأكويني ناقشا النظرية.
من منظور الرجحان العقلي
نظرية الفارابي وابن سينا تقدّم:
- محاولة عقلانية متماسكة لفهم النبوّة
- ربطاً بين الفلسفة والدين
- تفسيراً للمعجزات والرؤى
لكنّها تواجه تحدّيات:
- هل العقل الفعّال كافٍ لتفسير تنوّع الوحي؟
- كيف نفسّر الجوانب الشخصية والتاريخية للوحي؟
- هل النبوّة مجرّد كمال طبيعي أم اصطفاء إلهي؟
القيمة المعاصرة
نظرية الفلاسفة المسلمين تبقى مهمّة لـ:
- فهم إمكانية التوفيق بين العقل والوحي
- تقديم نموذج للتفكير الفلسفي في الظواهر الدينية
- إثراء النقاش المعاصر حول الوعي والإدراك فوق الحسّي
للقراءة المتقدّمة
- مستوى متقدّم: نظرية المعرفة الإشراقية عند السهروردي
- الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة
- ابن سينا، الشفاء: الإلهيات، المقالة العاشرة
- Herbert Davidson, Alfarabi, Avicenna, and Averroes on Intellect (Oxford UP, 1992)
- Dimitri Gutas, Avicenna and the Aristotelian Tradition (Brill, 2014)
- محمد عابد الجابري، نحن والتراث (المركز الثقافي العربي، 1993)
- صفحة "Family: Prophecy and Revelation" في الموقع