المعجزات
هل ينجح كريغ كينر في "المعجزات: مصداقية روايات العهد الجديد" في تأسيس صلاحية الشهادة على المعجزات تاريخياً، أم تواجه روايته إشكاليات منهجية؟
هذا السؤال يقع في قلب النقاش المعاصر حول إمكانية التأريخ للمعجزات. كريغ كينر — أستاذ الدراسات الكتابية في جامعة أسبري — نشر عملاً ضخماً في مجلّدين (1172 صفحة) بعنوان "Miracles: The Credibility of the New Testament Accounts" (2011)، يُعتبر أشمل دراسة أكاديمية حديثة للمعجزات من منظور تاريخي-اجتماعي. ادّعاؤه المركزي: الشهادات على المعجزات في العهد الجديد تستحقّ الاعتبار التاريخي الجادّ، خاصّة في ضوء الشهادات المعاصرة الموثّقة على ظواهر مماثلة.
ردود غير كافية ينبغي تجنّبها
من جهة بعض المدافعين عن المعجزات:
"كينر أثبت وقوع المعجزات علمياً." تجاوز لمشروع كينر. كينر لا يدّعي "إثبات" المعجزات بالمعنى العلمي، بل يحاجّ أنّ الشهادات عليها تستحقّ الاعتبار التاريخي، وأنّ رفضها المسبق غير مبرَّر منهجياً. الفرق بين "الإثبات العلمي" و"الصلاحية التاريخية" أساسي.
"من ينكر المعجزات بعد كتاب كينر متحيّز ضدّ الدين." اتّهام تبسيطي. النقّاد الجادّون لكينر — مثل ديل أليسون وبارت إيرمان — لا يرفضون المعجزات لتحيّز ديني، بل يطرحون إشكالات منهجية محدّدة حول كيفية تقييم الشهادات التاريخية على الظواهر الخارقة.
"الشهادات المعاصرة تثبت صحّة معجزات الكتاب المقدّس." قفزة منطقية. حتى لو قبلنا أنّ بعض الظواهر الخارقة تحدث اليوم، هذا لا يثبت تلقائياً صحّة كلّ رواية معجزة في النصوص القديمة. كلّ رواية تحتاج إلى تقييم مستقلّ.
ومن جهة بعض النقّاد الطبيعانيين:
"كينر مجرّد مبشّر يتظاهر بالأكاديمية." تجريح غير منصف. كينر حاصل على الدكتوراه من Duke University، وله أكثر من 20 كتاباً أكاديمياً منشوراً في دور نشر جامعية محترمة. عمله يُستشهد به حتى من قبل علماء غير مسيحيين.
"المعجزات مستحيلة علمياً، لا داعي لقراءة كينر." رفض مسبق غير علمي. العلم لا يثبت "استحالة" المعجزات، بل يدرس الأنماط الطبيعية. السؤال الفلسفي عن إمكانية تدخّل إلهي يتجاوز نطاق العلم التجريبي.
"الشهادات على المعجزات كلّها أوهام أو أكاذيب." تعميم غير مدروس. حتى المؤرّخون الذين يرفضون المعجزات — مثل جيرد لودمان — يقرّون بأنّ كثيراً من الشهود مخلصون في اعتقادهم أنّهم شهدوا شيئاً خارقاً. السؤال هو كيفية تفسير هذه التجارب.
لماذا هذه الردود غير كافية
تشترك في تجاهل الطبيعة المعقّدة لمشروع كينر: محاولة تأسيس منهجية تاريخية لتقييم الشهادات على الظواهر الخارقة، مع الأخذ بعين الاعتبار السياقات الثقافية والاجتماعية المختلفة. النقد الجادّ يحتاج إلى التعامل مع هذا المشروع المنهجي، لا مجرّد قبول أو رفض النتائج.
بنية حجّة كينر الأساسية
كينر يبني حجّته على أربعة محاور:
المحور الأوّل: توثيق الشهادات المعاصرة
كينر يجمع مئات الشهادات الموثّقة على ظواهر يعتبرها الشهود "معجزات" من القرن العشرين والحادي والعشرين، خاصّة من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. يشمل هذا:
- شهادات أطبّاء على حالات شفاء غير مفسّرة طبّياً
- توثيقات من مستشفيات ومراكز طبّية
- شهادات متعدّدة ومستقلّة على نفس الحدث
- حالات تحوّلات دينية مرتبطة بتجارب خارقة
المحور الثاني: نقد "التحيّز المعرفي الغربي"
كينر يحاجّ أنّ الأكاديمية الغربية تعاني من تحيّز ثقافي ضدّ المعجزات، متأثّرة بإرث التنوير الذي يفترض مسبقاً استحالتها. هذا التحيّز يجعل المؤرّخين الغربيين يرفضون تلقائياً شهادات تُعتبر موثوقة في سياقات أخرى.
المحور الثالث: المنهجية التاريخية المقارنة
إذا كانت الشهادات المعاصرة على المعجزات تستحقّ الاعتبار الجادّ — وكينر يقدّم أدلّة أنّها كذلك — فلماذا نرفض تلقائياً الشهادات القديمة المماثلة؟ المنهجية التاريخية السليمة تتطلّب معايير متّسقة.
المحور الرابع: إعادة قراءة معجزات العهد الجديد
في ضوء الشهادات المعاصرة، كينر يعيد قراءة روايات المعجزات في العهد الجديد، محاججاً أنّها تتّسق مع أنماط الشهادات على الخوارق عبر الثقافات والأزمنة.
النقد المنهجي الرئيسي
النقّاد الأكاديميون طرحوا إشكالات منهجية جوهرية:
إشكالية "التقييم مقابل التفسير"
ديل أليسون في مراجعته النقدية (2011) يميّز بين قبول أنّ "شيئاً ما حدث" وبين قبول التفسير اللاهوتي له كمعجزة. كثير من الشهادات التي يجمعها كينر تصف تجارب حقيقية، لكن هل التفسير الوحيد هو التدخّل الإلهي المباشر؟
إشكالية "الانتقائية في الشهادات"
بارت إيرمان يشير إلى أنّ كينر يركّز على شهادات من سياقات مسيحية، بينما توجد شهادات مماثلة في كلّ الأديان. هل هذا يعني أنّ كلّ الأديان صحيحة؟ أم أنّ الظاهرة لها تفسير آخر؟
إشكالية "معايير التوثيق"
مايكل مارتن يحاجّ أنّ معايير كينر للتوثيق "الموثوق" ليست صارمة كفاية. كثير من الشهادات تعتمد على الذاكرة البعدية أو الروايات الشفوية، وهي عرضة للتشويه والمبالغة.
إشكالية "القفزة من الوصف إلى السببية"
حتى لو قبلنا أنّ ظواهر غير عادية تحدث، القفزة إلى أنّها "معجزات إلهية" تتطلّب افتراضات ميتافيزيقية إضافية. العلم يدرس الظواهر، لكنّه لا يحدّد إن كانت "طبيعية نادرة" أم "خارقة للطبيعة".
ردّ كينر على النقد
كينر طوّر ردوداً في طبعات لاحقة ومقالات:
أوّلاً، حول التقييم مقابل التفسير: كينر يوضّح أنّ هدفه الأساسي هو تحدّي الرفض المسبق للشهادات، لا فرض تفسير واحد. إذا قبلنا أنّ ظواهر خارقة للعادة تحدث، فالنقاش حول تفسيرها يصبح مشروعاً.
ثانياً، حول الانتقائية: كينر يقرّ بوجود شهادات في أديان أخرى، لكنّه يركّز على السياق المسيحي لأنّه موضوع دراسته. هذا لا ينفي الحاجة إلى دراسات مماثلة للأديان الأخرى.
ثالثاً، حول معايير التوثيق: كينر يميّز بين مستويات مختلفة من التوثيق، ويقدّم الحالات الأقوى توثيقاً بصورة منفصلة. يحاجّ أنّ حتى الشهادات الأضعف تستحقّ الاعتبار ضمن النمط العامّ.
رابعاً، حول السببية: كينر يوضّح أنّه كمؤرّخ، يدرس ما يعتقد الناس أنّهم اختبروه. السؤال الفلسفي عن الطبيعة النهائية لهذه الظواهر يتجاوز نطاق التاريخ.
التيارات المعاصرة في النقاش
تيار "التاريخ المنفتح" يضمّ كينر، غاري هابرماس، ومايك ليكونا. يحاججون أنّ المنهجية التاريخية يجب ألاّ تستبعد مسبقاً إمكانية الخوارق.
تيار "النقد المنهجي" يضمّ ديل أليسون، جون دومينيك كروسان، وإيمي جيل ليفين. يقبلون جدّية بعض الشهادات لكن يطالبون بمعايير أكثر صرامة للتقييم التاريخي.
تيار "الطبيعانية المنهجية" يضمّ بارت إيرمان وجيرد لودمان. يصرّون على أنّ التاريخ كعلم يجب أن يفترض الطبيعانية المنهجية، حتى لو لم يلتزم المؤرّخ بالطبيعانية الفلسفية.
القيمة والحدود
عمل كينر له قيمة حقيقية في:
- توثيق ظاهرة عالمية معاصرة غالباً ما تُتجاهل أكاديمياً
- تحدّي الافتراضات المسبقة في المنهجية التاريخية
- فتح نقاش أكاديمي جادّ حول موضوع كان مهمّشاً
لكن له حدوداً واضحة:
- الانتقال من "ظواهر موثّقة" إلى "معجزات إلهية" يبقى قفزة فلسفية
- التركيز على السياق المسيحي يحدّ من الاستنتاجات الشاملة
- بعض معايير التوثيق تحتاج إلى مزيد من الصرامة
من زاوية الرجحان العقلي
عمل كينر يُسهم في النقاش دون أن يحسمه. من منظور الرجحان العقلي:
- يُضعف الادّعاء بأنّ المعجزات "مستحيلة" أو "لا تحدث أبداً"
- يفتح المجال لاعتبار الشهادات التاريخية بصورة أكثر إنصافاً
- لا يثبت بمفرده صحّة أيّ دين أو معجزة محدّدة
- يُضاف إلى الاعتبارات الأخرى في التقييم التراكمي
أين نحن من هذا النقاش اليوم
شهدت الفترة 2020-2026 تطوّرات ملموسة في هذا الملفّ. كينر نفسه واصل الدفاع عن مشروعه في مقالات ومحاضرات، مؤكّداً على البُعد العابر للثقافات في شهادات الشفاء، خاصّة مع تنامي الدراسات الأنثروبولوجية الميدانية من أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا. في المقابل، طوّر إيرمان نقده في أعمال لاحقة مؤكّداً أنّ كثافة الشهادات لا تعوّض غياب الضبط المنهجي الصارم. من التطوّرات اللافتة: دخول فلاسفة التحليل بقوّة إلى النقاش، إذ قدّم تيموثي ماكغرو وليديا ماكغرو نماذج بايزية لتقييم الشهادات على المعجزات، ممّا نقل الحوار من مستوى "هل نقبل الشهادات؟" إلى "كيف نحسب احتمالاتها؟". كذلك أصدر مشروع Global Medical Research Institute (GMRI) دراسات تتبّعية لحالات شفاء ادّعى أصحابها تدخّلاً خارقاً، مع توثيق طبّي قبلي وبعدي أكثر صرامة ممّا توفّر لكينر. النقاش اليوم أكثر نضجاً منهجياً: لم يعد يدور حول "هل يمكن أن تحدث معجزات؟" بل حول المعايير الإبستمولوجية الدقيقة لتقييم الشهادة التاريخية على الظواهر النادرة، وهو تحوّل يُحسب جزئياً لتأثير عمل كينر في إعادة فتح هذا الباب أكاديمياً.
للقراءة
- Craig Keener, Miracles: The Credibility of the New Testament